القرطبي
281
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
قوله تعالى : ( وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون ) في الكلام حذف ، والتقدير : وما منعنا أن نرسل بالآيات التي اقترحوها إلا أن يكذبوا بها فيهلكوا كما فعل بمن كان قبلهم . قال معناه قتادة وابن جريج وغيرهما . فأخر الله تعالى العذاب عن كفار قريش لعلمه أن فيهم من يؤمن وفيهم من يولد مؤمنا . وقد تقدم في " الانعام ( 1 ) " وغيرها أنهم طلبوا أن يحول الله لهم الصفا ذهبا وتتنحى الجبال عنهم ، فنزل جبريل وقال : " إن شئت كان ما سأل قومك ولكنهم إن لم يؤمنوا لم يمهلوا وإن شئت استأنيت بهم " . فقال : " لا بل استأن بهم " . و " أن " الأولى في محل نصب بوقوع المنع عليهم ، و " أن " الثانية في محل رفع . والباء في " بالآيات " زائدة . ومجاز الكلام : وما منعنا إرسال الآيات إلا تكذيب الأولين ، والله تعالى لا يكون ممنوعا عن شئ ، فالمعنى المبالغة في أنه لا يفعل ، فكأنه قد منع عنه . ثم بين ما فعل بمن سأل الآيات فلم يؤمن بها فقال : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة ) أي آية دالة مضيئة نيرة على صدق صالح ، وعلى قدرة الله تعالى . وقد تقدم ( 2 ) ذلك . ( فظلموا بها ) أي ظلموا بتكذيبها . وقيل : جحدوا بها وكفروا أنها من عند الله فاستأصلهم الله بالعذاب . ( وما نرسل بالآيات إلا تخويفا ) فيه خمسة أقوال : الأول - العبر والمعجزات التي جعلها الله على أيدي الرسل من دلائل الانذار تخويفا للمكذبين . الثاني - أنها آيات الانتقام تخويفا من المعاصي . الثالث - أنها تقلب الأحوال من صغر إلى شباب ثم إلى تكهل ثم إلى مشيب ، لتعتبر بتقلب أحوالك فتخاف عاقبة أمرك ، وهذا قول أحمد بن حنبل رضي الله عنه . الرابع - القرآن . الخامس - الموت الذريع ( 3 ) ، قال الحسن . قوله تعالى : وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ( 60 )
--> ( 1 ) راجع ج 6 ص 387 وج 9 ص 60 . ( 3 ) أي السريع الفاش لا يكاد الناس يتدافنون .